محمد بن جرير الطبري

235

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يمص ابهامه يزعمون - والله اعلم - ان الله جعل رزق إبراهيم ع فيها ما يجيئه من مصه ، وكان آزر فيما يزعمون قد سال أم إبراهيم عن حملها ما فعل ، فقالت : ولدت غلاما فمات فصدقها فسكت عنها ، وكان اليوم - فيما يذكرون - على إبراهيم في الشباب كالشهر ، والشهر كالسنة ، ولم يمكث إبراهيم ع في المغارة الا خمسه عشر شهرا ، حتى قال لامه : أخرجيني انظر ، فأخرجته عشاء ، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ، وقال : ان الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي ، ما لي اله غيره ثم نظر في السماء ورأى كوكبا ، فقال : « هذا رَبِّي » ، ثم اتبعه ينظر اليه ببصره حتى غاب « فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ » ، ثم اطلع للقمر فرآه بازغا فقال : « هذا رَبِّي » ثم اتبعه ببصره حتى غاب « فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ » فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئا هو أعظم نورا من كل شيء رآه قبل ذلك ، فقال : « هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ ، فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . ثم رجع إبراهيم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته ، وعرف ربه وبريء من دين قومه الا انه لم يبادهم بذلك ، فأخبره انه ابنه ، فأخبرته أم إبراهيم ع انه ابنه ، فأخبرته بما كانت صنعت في شانه ، فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا ، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون ، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها ، فيذهب بها إبراهيم ع فيما يذكرون فيقول : من يشترى ما يضره ولا ينفعه ! فلا يشتريها منه أحد ، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رءوسها ، وقال : اشربى - استهزاء بقومه ، وبما هم عليه من الضلالة - حتى فشا عيبه إياها ، واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته ،